فيء ناصر- لندن
- مرآة ثقافية تعكس قضايا اللحظة الراهنة ومنصة أساسية لاستكشاف ما هو جديد وجريء في الفن المعاصر
- منصة فريدة لاكتشاف أسماء ومواهب جديدة في الساحة الفنية العالمية إلى جانب عرض أعمال لأسماء راسخة
يُعد مهرجان فريز لندن Frieze London، الذي يُقام سنوياً في قلب العاصمة البريطانية، وتحديداً في حدائق ريجنت الشهيرة، واحداً من أهم المعارض الفنية المعاصرة، والأكثر تأثيراً في العالم. لا يقتصر دور فريز على كونه معرضاً ضخماً، بل هو سوق فني عالمي، يحدد اتجاهات الفن الحديث والمعاصر والأسعار لعام مقبل. يجمع هذا الحدث السنوي نخبة من صالات العرض العالمية والفنانين والمقتنين والنجوم، ليصبح بمنزلة «قمة»، يلتقي فيها الإبداع بالمال والنقد. إن فريز ليس مجرد مكان لعرض اللوحات، بل هو مرآة ثقافية تعكس قضايا اللحظة الراهنة، ومنصة أساسية لاستكشاف ما هو جديد وجريء في الفن المعاصر على الساحة الدولية.
ظاهرة ثقافية
وفي خيام بيضاء فسيحة، يصطف الزوار أمام لوحات ضخمة وأعمال تركيبية مذهلة، يتبادلون الآراء، ويلتقطون الصور، ويتابعون عروض الأداء المباشر. هذا ليس متحفًا، بل هو Art Fair Frieze مهرجان فريز للفن، المهرجان الذي يعيد تعريف تجربة الاستمتاع بالفن كل خريف. يعد مهرجان فريز لندن أحد أهم الأحداث الثقافية في العاصمة البريطانية، وحدثاً فنياً سنوياً يجمع بين الإبداع الفني والحضور الدولي. فمنذ انطلاقته عام 2003، تحوّل Frieze إلى ما هو أكثر من مجرد معرض، إنه ظاهرة ثقافية وتجارية تسلط الضوء على أحدث ملامح الفن المعاصر، وتثير نقاشات حول العلاقة بين الفن والسوق، والجمال والربح، وجدوى الاقتناء من عدمه للإشخاص والمؤسسات.
سوق الفن العالمي
شارك في المهرجان هذا العام أكثر من 280 غاليري، تمثل 45 دولة، وعرضت آلاف الأعمال الفنية، وعقدت صفقات بيع بملايين الجنيهات، هذا هو مشهد Frieze Art Fair، الذي لا يمثل فقط تظاهرة فنية، بل هو أيضًا مؤشر على نبض سوق الفن العالمي.
بدأ مهرجان فريز عام 2003، وتعد أماندا شارب، وهي ناشرة ورائدة أعمال فنية، وماثيو سلوتوفر، وهو ناشر ورائد أعمال بريطاني، من أبرز الشخصيات المؤثرة في عالم الفن المعاصر، وقد أسسا معاً مجلة Frieze المتخصصة في الفن والثقافة المعاصرة عام 1991. كانت المجلة بمنزلة منصة فكرية، جمعت بين النقد الفني والحوار الثقافي، ولاقت نجاحاً واسعاً في الأوساط الفنية، مهّد هذا النجاح لاحقاً الطريق أمام الثنائي لإطلاق مهرجان فريز للفن Frieze Art Fair في عام 2003، في حديقة ريجنت بلندن. جاءت فكرة المهرجان من استخدام فضاء واسع، يعرض الفن المعاصر بأسلوب يوازيه حداثة، ويجمع بين صالات العرض العالمية والفنانين والجمهور في حدث سنوي، وأصبح اليوم من بين الأهم على مستوى العالم في مجال الفنون البصرية. جمعت رؤية أماندا شارب وماثيو سلوتوفر بين الحس الإبداعي والفكر التجاري، فأسسا نموذجاً يحتذى في كيفية بناء منصات فنية عالمية التأثير.
ومنذ انطلاقه، فرض مهرجان فريز للفن Frieze Art Fair نفسه كأحد أبرز الأحداث الفنية على الساحة العالمية. يقام المهرجان سنويًا في شهر أكتوبر داخل حديقة ريجنت، ويضم أقساماً عدة، أبرزها Frieze London الذي يركّز على الأعمال المعاصرة لفنانين أحياء، وFrieze Masters الذي يُعنى بالأعمال التاريخية، التي تعود إلى ما قبل عام 2000. وقد تطور الحدث بمرور السنوات، ليصبح أكثر من مجرد معرض، بل أصبح ملتقى ثقافياً وسوقاً فنياً يعكس نبض الفن العالمي وتحركاته التجارية والثقافية.
من أهم أهداف مهرجان فريز هو تسليط الضوء على أبرز الاتجاهات في الفن المعاصر، وتوفير مساحة للحوار والتفاعل بين الفنانين والجمهور والمؤسسات الفنية. ويوفّر المهرجان كذلك منصة فريدة لاكتشاف أسماء ومواهب جديدة في الساحة الفنية العالمية، إلى جانب عرض أعمال لأسماء راسخة. ولا يقتصر دوره على العرض فقط، بل يشمل برامج موازية، مثل الندوات والمحاضرات والعروض الأدائية، مما يجعله حدثًا غنيًا بالتجارب الثقافية والمعرفية. وبفضل مكانته المرموقة، يُعد فريز مؤشرًا مهمًا لاتجاهات سوق الفن العالمي، حيث تعقد خلاله صفقات بملايين الجنيهات، مما يجعله حلقة وصل حيوية بين مبدع الفن والإنتاج الثقافي من جهة، والتجارة والاستثمار من جهة أخرى.
القلاع الفنية
وبين أروقة المهرجان السنوي، الذي يجمع تجارب الفنّ المعاصر بالتجارب والأعمال الرائدة، دبّت الحركة في أجنحة عدد من صالات العرض، التي تُعدّ من القلاع الفنية العالمية. على سبيل المثال، شارك غاليري David Zwirner، بأعمال نحتية جديدة للفنانة الباكستانية هوما بهابها Huma Bhabha، ولوحات معاصرة لفنانين، مثل كريس أوفيلي، والكولومبي أوسكار موريو، والفنانة بورشا زفافاهيرا من زمبابوي. قدم هذا الغاليري، باعتباره من أبرز صالات العرض في مجال الفن المعاصر، عرضًا يُعبّر عن مزاوجة الإعلام الفني، بين التجديد والرصانة، وبين السوق والاختبار الجمالي.
كما عرض غاليري «بيبي هولدزورث»، ومقره لندن، أعمالًا غير معروضة سابقًا لفنانين، مثل للفنانة البريطانية كيتي موران، والبرازيلية صوفيا لويب، مع تركيز خاص على الموضوعات الطبيعية والذاكرة المشتركة وموقع الإنسان في محيطه.
كما شهدت منصة غاليري جين بوسطن، ومقرها مدينة بوسطن، زحاما من قبل الجهور، الذي حرص على اخذ صور لمنحوتات الفنان الأمريكي ـ العراقي مايكل راكويتز، حيث جسدت منحوتاته رموزاً من الحضارة الآشورية، شُغِلتْ بورق تغليف التمور والصحف العربية وبقية اوراق التغليف للمأكولات والمواد الاستهلاكية، في إدانة واضحة وتذكير بجريمة سرقة وتدمير المتحف العراقي وآثار مدينة الموصل.
أساطير الفن والتاريخ
وفي قسم أساتذة الفن، أو ما يعرف بـ Frieze Masters، نلمس بوضوح أن بعض المبيعات تجاوزت حدود «الفنّ المعاصر»، لتلامس أساطير الفن والتاريخ. فقد بيعت لوحة تعود لعام 1909 للفنانة ورائدة التعبيرية الألمانية غابريلا مونتر (1877 ــ 1962)، بمبلغ يُقارب 3 ملايين دولار في اليوم الأول لافتتاح المهرجان في غاليري هوسر ورث. كذلك بيعت لوحة للفنان البلجيكي السوريالي رينيه مغريت تعود لعام 1953 بـ1.6 مليون دولار أمريكي. وتعكس المبيعات أن «القيمة» في سياق تقدير الأعمال ليست مجرد رقم، بل هي تعبير عن موقع العمل ومبدعه في تاريخ الفن، ومدى رغبة المقتنيين والمستثمرين باقتنائه. كذلك بيعت لوحة للفنان بول كيلي بما يقارب 1.45 مليون دولار أمريكي.
تتجلى في هذا المزيج بين دور العرض المعاصرة والمتاجر الفنية التاريخية، مكانة Frieze كمنصة تجمع «الآن» و«الأمس» في آن واحد، وكذلك تقارب بين التوجه التجاري والبحث الجمالي. ويقع على صالات الفنون والغاليريهات المشاركة عبءَ اختيار الأعمال الفنية، ويتحمل المشترون عبء القيمة، ويتحمل الزائرون (مثلي) عناء ومتعة التأمل. وهكذا، يصبح المعرض أكثر من مجرد مكان يُباع فيه الفنّ، بل مساحة يُقرأ فيها الحاضر ويُعاد تأمّل الماضي.
الصالات العربية
عرض غاليري لوري شبيبي، ومقره دبي، في Frieze Masters، مجموعة من أعمال للفنانة الأردنية الرائدة منى سعودي (1945 ــ 2022)، وشملت خمس منحوتات حجرية، وأحد عشر عملاً طباعياً على الورق، خلال الفترة 1973 ــ 1978.
بينما عرض غاليري صفير زملر، ومقره بيروت وهامبورغ في Frieze Masters أيضاً، وضمن فعالية «الاستديو»، التي تحتفي بالفنانين الرواد الأحياء، أعمالاً للفنانة الفلسطينية سامية حلبي، المولودة في القدس عام 1936، حيث يركز على ستة عقود من الرسم التجريدي المتواشج مع البُعد الشرقي المتمثّل في البُنى الزخرفية، الهندسية، والضوء/ اللون في البيئة الشرق أوسطية.
غاليري آثر، ومقره جدة والرياض، شارك في عرض لفنانات سعوديات، مثل دانية الصالح وبسمة فلمبان، مما يعكس الحضور العربي المعاصر في المعرض.
منحوتات معاصرة
وعلى امتداد المساحات الخضراء لحديقة ريجنت في لندن، تتوزّع هذه السنة أعمالٌ فنية نُصِبت تحت عنوان: «In the Shadows/ في الظلال»، يعكس العنوان رؤية تنقّب في الخفاء، وفي ما لم يُر بعد، داخل ذاكرة المكان والمادّة والغياب.
اختار القيّمون على العرض أربعة عشر فنانًا دوليًا، ليفسحوا مساحةً للفنان والمشاهد كي يتلمّسا العتمة، ولكي يقرآ التغيّر البيئي، وجذور التاريخ، والبُعد الداخلي للذات.
من بين الأعمال المعروضة:
مجسّم Fibredog لفريق فني بريطاني يدعى Assemble، وهو حيوان ضخم من القش يحيل إلى التقاليد الشعبية واللعب الجماعي، ويحوّل المسارات الخضراء في الحديقة إلى فضاء للدهشة والعبور المتهمل والمتأمل.
مجسم آخر للفنان النمساوي ارفين وورم بعنوان «شبح»، بدلة عمل مستعملة عملاقة فارغة وملوّنة بالأزرق، تقف كظل صامت لعالم الشركات والاستهلاك، وتدعو المشاهد إلى التأمل في واقع العصر الاستهلاكي وبصمة الانسان الشخصية، التي يتركها على أشيائه الخاصة.
مجسّم Requiem/ The Last Call للفنانة الهندية ــ الأمريكية رينا سايني كلايت، عمل مركّب ضخم يُصدر تغريداً لطيور انقرضت. عزلت الفنانة هذه الاصوات من الاصوات البشرية في أشرطة التخابر في الجيوش أثناء الحرب العالمية الاولى، وحوّلت الصمت الأبدي والانقراض إلى تأبين، تذكّرنا بأن الظلال هي أيضاً نداءات لم تُسمع بعد.
وأشارت الهيئة عبر موقعها الرسمي إلى أن النتائج تشير إلى أن السعوديين يشكلون 69.0 % من كبار السن، بينما غير السعوديين يشكِّلون 31.0 % منهم، ومن حيث الجنس فإ ن الإناث يمثِّلن 43.0% من إجمالي هذه الفئة مقابل 57.0 % من الذكور.
وأوضحت النتائج أن 33% من كبار السن يمارسون النشاط البدني بانتظام.